الذهبي
128
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
فَقَالَ : وَيْحَكَ اجْعَلْنِي وَإِيَّاهُمْ لا عَهْدَ بَيْنَنَا ، مَا تَقُولُ فِي دِمَائِهِمْ ؟ فَأَجْهَشَتْ نَفْسِي ، وَكَرِهْتُ الْقَتْلَ ، فَذَكَرْتُ مُقَامِي بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَلَفَظْتُهَا ، فَقُلْتُ : دِمَاؤُهُمْ عَلَيْكَ حَرَامٌ ، فَغَضِبَ وَانْتَفَخَتْ عَيْنَاهُ وَأَوْدَاجُهُ ، وَقَالَ : وَيْحَكَ ، وَلِمَ ذَاكَ ؟ قُلْتُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ : ثَيِّبٍ زَانٍ ، وَنَفْسٍ بِنَفْسٍ ، وَتَارِكٍ لِدِينِهِ " قَالَ : وَيْحَكَ أَوَلَيْسَ الأَمْرُ لَنَا دِيَانَةً ؟ قلت : كيف ذاك ؟ قال : أليس كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوصى إلى علي ؟ قلت : لَوْ أَوْصَى إِلَيْهِ لَمَا حَكَّمَ الْحَكَمَيْنِ ، فَسَكَتَ وَقَدِ اجْتَمَعَ غَضَبًا ، فَجَعَلْتُ أَتَوَقَّعُ رَأْسِي يَقَعُ بَيْنَ يَدَيَّ ، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا : أَوْمَأَ أَنْ أَخْرِجُوهُ ، فَخَرَجْتُ فَرَكِبْتُ ، وَسِرْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَإِذَا فَارِسٌ فَنَزَلْتُ ، وَقُلْتُ : قَدْ بَعَثَ لِيَأْخُذَ رَأْسِي ، أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، فَكَبَّرْتُ فَجَاءَ وَأَنَا قَائِمٌ أُصَلِّي فَسَلَّمَ ، وَقَالَ : إِنَّ الأَمِيرَ قَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ ، قَالَ : فَفَرَّقْتُهَا قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ منزلي . وقال يعقوب بن شيبة : حدثنا أبو عبد الملك بن الفارسي عبد الرحمن بن عبد العزيز ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ : لَمَّا فَرَغَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ قَتْلِ بَنِي أُمَيَّةَ بَعَثَ إِلَيَّ ، وكان يومئذ قتل نيفا وسبعين بالكافركوبات فقال : ما تقول في دمائهم ؟ فحدت ، قال : أجب ، قال : وَمَا لَقِيتُ مِثْلَهُ مُفَوَّهًا قَطُّ ، فَقُلْتُ : كَانَ لَهُمْ عَلَيْكَ عَهْدٌ ، قَالَ : فَاجْعَلْنِي وَإِيَّاهُمْ وَلا عهد ، مَا تَقُولُ فِي دِمَائِهِمْ ؟ قُلْتُ : حَرَامٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ : " لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ . . . الْحَدِيثَ " قَالَ : وَلِمَ ؟ وَيْلَكَ ! أَلَيْسَتِ الْخِلافَةُ وَصِيَّةً مِنْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاتَلَ عَلَيْهَا عَلِيٌّ بِصِفِّينَ ؟ قُلْتُ : لَوْ كَانَتْ وَصِيَّةً مَا رَضِيَ بِالْحَكَمَيْنِ ، قَالَ : فَنَكَّسَ ثُمَّ نَكَّسْتُ ثُمَّ قُلْتُ : الْبَوْلُ ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنِ اذْهَبْ ، فَجَعَلْتُ لا أَخْطُو خُطْوَةً إِلا ظَنَنْتُ أَنَّ رَأْسِيَ تَقَعُ عِنْدَهَا . هَاشِمُ بْنُ مَرْثَدٍ : سمعت أحمد بن الغمر يقول : لما جلت الْمِحْنَةُ الَّتِي نَزَلَتْ بِالأَوْزَاعِيِّ إِذْ نَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ حُمَاةَ طَلَبَهُ ، قَالَ : فَنَزَلَ عَلِيَّ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ بِحِمْصَ فَلَمْ يَزَلْ ثَوْرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْقَدَرِ مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ ، وَأَنَا سَاكِتٌ ثُمَّ صَلَّيْتُ ، وَأَتَيْتُ حُمَاةَ فَأُدْخِلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : يَا أوزاعي أيعد مقامنا هذا